ثورة الفناجين: حين كانت القهوة جريمة في القاهرة
في العقد الأول من القرن السادس عشر، وتحت جنح ليل القاهرة الساكن، بدأت رائحة غريبة وغامضة تتسلل لأول مرة من بين جدران “رواق اليمنيين” في الجامع الأزهر. هناك، كان الطلبة الصوفيون المغتربون من اليمن يرتشفون سائلًا أسود داكنًا، لا للمتعة الدنيوية، بل ليستمدوا منه عونًا على السهر للذكر والعبادة، ولتفتح تلك الرشفات عيونهم وعقولهم على عوالم المعرفة.

من قلب الأزهر، وشيئًا فشيئًا، خرج السر من الأروقة إلى الشوارع، وانتشر “مشروب الدراويش” بين عامة المصريين كالنار في الهشيم، معلنًا ميلاد عصر “الكيف” في المحروسة.
صراع العمائم والفناجين
لم يمر الأمر بسلام؛ فقد استشعر رجال الدين خطرًا في هذا “الوافد الجديد”. وفي عام 1572، تصاعدت الدراما حين وقف الفقيه الشافعي المتشدد أحمد بن عبد الحق السنباطي موقفًا حازمًا ضد القهوة.
وحين سُئل: “ما رأيك في المشروب الذي يدعى قهوة؟”.. جاءت فتواه كالسيف القاطع: “حرام”.

اشتعلت القاهرة. تحولت المنابر إلى منصات للهجوم على “الخمر الجديدة” كما أسموها. وبتحريض من خطبة نارية لأحد أتباع السنباطي، هاجت العامة، وانطلقوا في حملة شعواء يكسرون المقاهي الوليدة، ويحطمون الأواني، ويطاردون شاربي القهوة في الأزقة.

يصف المؤرخ الجزيري المشهد المأساوي قائلًا: “كان العسس يداهمون البيوت، يضربون الناس، ويشهرون بهم، ويهدمون كوانين القهوة، كاسرين أواني المسلمين المحترمة”.
حصار المسجد.. والقهوة المرة
شعر تجار البن بالخطر؛ فأرزاقهم تحترق بفتاوى التحريم. قرروا اللجوء إلى الدبلوماسية، فأرسلوا وفدًا إلى الشيخ السنباطي يستعطفونه، لكن رده كان قاسيًا وحاسمًا: “ما دامت تؤثر في العقل سلبًا أو إيجابًا فهي حرام”.
هنا، تحول النقاش إلى معركة حامية الوطيس. اشتبك أنصار الشيخ مع التجار، وسقط أول قتيل من صفوف التجار. هرب الشيخ وأتباعه ليحتموا داخل أحد المساجد، بينما ضرب التجار وأهالي القتلى حصارًا خانقًا حول المسجد.
ساءت الأمور أكثر حين وصل خبر وفاة شاب آخر متأثرًا بجراحه. تحول الحصار إلى مأتم غاضب في العراء. خيم الليل ببرودته على المحاصرين، فنصبوا صوانًا وأعمدة لتقيهم البرد، وهنا.. ولد تقليد مصري سيستمر لقرون.
نكايةً في الشيخ السنباطي المحاصر، وتحديًا لفتواه، وزع التجار على المعزين والمحاصرين مشروبًا ساخنًا.. كان “قهوة سادة” بلا سكر، لتمتزج مرارتها بمرارة الفقد.
فرمان السلطان وانتصار “الكيف”
استمر الحصار والفوضى ثلاثة أيام، حتى وصل صدى “شغب القهوة” إلى مسامع السلطان العثماني مراد الثالث. أدرك السلطان أن الأمر يتطلب تدخلًا سياسيًا ودينيًا، فقام بتعيين مفتٍ جديد للقاهرة، استصدر فورًا فتوى جديدة: “القهوة حلال وطيبة”.

تنفس التجار الصعداء، واعتبروا هذا القرار انتصارًا لأرواح “شهداء القهوة”. ومن باب العرفان، أو ربما النكاية، أطلقوا على البن اسم “القهوة التركي”، نسبة لمفتي السلطان الذي أباحها.
الإرث الباقي
منذ تلك الليلة الدامية، تحولت القهوة من “حادث جلل” ومعركة دينية، إلى طقس يومي في بيوت الأعيان والعامة. ولكن الذاكرة المصرية لم تنسَ أصل الحكاية؛ فبقيت عادة تقديم القهوة السادة في سرادقات العزاء شاهدة على تلك الليلة التي حوصر فيها الشيخ، وشرب فيها المصريون القهوة مرّةً وحزينةً لأول مرة، ترحمًا على الموتى وتحديًا للموت.

وبعد مرور قرون على تلك الملحمة، لم تبقَ القهوة مجرد مشروب عابر، بل تحولت إلى إرثٍ ثقافي ورمزٍ للأصالة والمزاج العالي. وهو نفس الشغف الذي تحييه اليوم “Turkaffe”، التي استلهمت من عمق هذا التاريخ خلطتها المميزة؛ لتقدم لك في كل رشفة مذاقاً يحمل في طياته عبق الماضي وحكاياته، وجودةً تليق بمشروبٍ خاض الأجدادُ لأجله المعارك، لتستمتع أنت اليوم بقهوةٍ تركيةٍ أصيلة بسلام، ودون الحاجة لفتوى أو حصار.
